"أول السلالة مربوط إلى شجرة، والأخير منها يلتهمه النمل"
غابرييل غارسيا ماركيز – مئة عام من العزلة

سأدّعي أنني ولدت في العاشر من شهر نيسان لعام 1971 في (ماكوندو)، القرية التي لم يعد لها وجود على الخارطة، والتي ذكرها غابرييل غارسيا ماركيز في رائعته (مائة عام من العزلة) وأعمال أخرى، إلاّ أن (ماكوندو) التي ولدت فيها لم تكن بيوتها أنذاك مبنية من طين، ولم تكن أيضا قرية نائمة على ضفة نهر صغير كما صوّرها ماركيز، بل كانت بيوتها من خشب وصفيح، والماء كان بعيداً جداً عنها. لكن فكرة أن تكون الأشياء فيها بلا أسماء هي فكرة حقيقية ومتشابهة إلى حدٍ كبير؛ الشوارع بلا أسماء، وليس للبيوت فيها أسماء ولا أرقام، الناس في الغالب لا أسماء لهم، مجرد وجوه، وعيون معلقة في المجهول تبحث عن سؤاله العصي الذي ليس له إجابة.

لم تكن (ماكوندو) – أو (العشيش) بالتسمية الشعبية لها – محاطة بالماء من كل الجهات مثل (ماكوندو) ماركيز الأسطورية، إلا أنها كانت محاطة بالضياع والنسيان. لم تستمر أو تصمد كثيراً عند أوّل حركة حداثة معمارية مباغتة. (ماكوندو/ العشيش) نفسها بلد طارئ، تعيشه ويعيش فيك للأزل.. هذه الفكرة بالذات ترعبني بشدة اليوم، إذ ثمة (ماكوندو) في كل بلد سكنته.

لم يكن الخروج الأول من (ماكوندو) الأولى سهلا ولا موفقا، كان أشبه بخروج بدو رحّل من بلد أجدب إلى بلد آخر لا يعرفون عنه شيئا إلا احتمال أن يكون أفضل من سابقه على أقل التقادير. تركوا خلفهم المكان – بعدما هدموا الخشب وأزالوا الصفيح – مثل بقع إسمنتية رمادية على مساحة شاسعة من تراب كالح. أما أهل (ماكوندو/ العشيش) فقد توزعوا على الجهات التي لم تصل للماء بعد.

الماء: البحر البعيد الذي كان بالنسبة لي الاكتشاف الأعظم في حياتي. أو أنه التعويض لفقدان ماكوندو الخشب/ الصفيح المتربة.
مرة قلت لأصدقائي "سأركب البحر"، كنت أريد أن أذهب للضفة الأخرى، "فعلى الضفة الأخرى من (البحر)، توجد كل أنواع الآلات السحرية، بينما نعيش هنا حياة الحمير". أهل (ماكوندو) شعب مسالم جداً، وفقير جداً، ليس لديه أية امتيازات كما ليس لديه بالمقابل أية هموم حياتية سوى العيش، "فالمعيشة (عنده) فوق المعرفة، والحياة (لديه) أولى بالعناية من الفن" كما يقول جوته. شعب بلا نظرة للمستقبل أو تخطيط، يعيش أبناءه بلا ورق يدلّ عليهم في زمن الإلكترون والبطاقات الممغنطة. شعب غير منظم وغير متعلم، رغم ذلك فقد خرجت منه أجيال مبدعة من أساتذه ومهندسين وأطباء وشعراء. شعب أوّل سلالتهم مربوط إلى شجرة الماضي البعيد، أما الأخير منهم فسوف يلتهمه النمل بكل تأكيد الواقع والأسطورة، وما بينهما أجيال منكوبة.

أنتمي للجيل الأكثر نكبة. الجيل الذي خُلِقَ في الانعطاف الأكثر حدة للحياة مدنيا، اجتماعيا، معماريا، وحتى سياسيا. قلت لأصدقائي "سأركب البحر"، إلا أن عشرة أعوام أخرى مرّت وأكثر من خمسة منازل سكنتها وثلاث تأشيرات وإشعار مغادرة بلا عودة لأركب الطائرة.

عندما خرجت من (ماكوندو) إلى (ماكوندو) مرورا بدمشق، عمّان، مونتريال، لم أكن أحمل اسمي. الاسم الآخر الذي انتحلته أعرفه تماما، أحفظه عن ظهر قلب وقصيدة. اسم يشبهني لكنه ليس لي، الصورة التي استبدلتها بصورتي في جواز السفر كانت صورته، فحص الدم له، العلامات المميزة لم تكن علاماتي، حتى النظارات التي اشتريتها من (باب توما) لم أكن بحاجتها إلا كي تطابق التأشيرة. التأشيرة وحدها التي لم أغيرها والتي خدعت الجميع، خدعت ضباط الأمن، مفتشي الجمارك، موظفي الهجرة، حين قرأت عليهم "وجعلنا من بين أيديهم سدًّا ومن خلفهم سدًّا" لم يتغير شيء في الأمر سوى أن قالوا "ادخلها بسلام".

قلت، ثمة (ماكوندو) في كل بلد سكنته؛ أستعيد الذاكرة فلا أجد إلا صور (ماكوندو) الأولى في رأسي مثل شريط طويل. مشكلة الذاكرة أنها بلا أرض، بلا صورة على الواقع، المكان الأول لم يعد موجوداً ولا حتى الأماكن التي تلته، كلما حاولت أن أؤسس لي مكانا كي يبقى شاهدا فإنه يختفي في غمضة عين. وحدها القصيدة القادرة (ربما) على رتق الصورة وتوثيقها وأرشفتها، فهي كما تلتفّ على اللغة والنحو والعروض فإنها تلتفّ أيضا على الواقع والذاكرة وتكتبهما بشكل جديد وحقيقي لدرجة أننا نظنه منتحلا.

ماكوندو/ أوتاوا - كندا
7 شباط/ فبراير 2006


 


محمد جابر النبهان

- ولد في الكويت  10 ابريل 1971.
- عمل كخطاط ومصمم ومحرر في الصحف الثقافية، وأحيانا بلا عمل منذ العام 1989.
- هاجر إلى كندا في سنة 1995 وعاد للكويت في سنة 2007 وغادرها مجددا لمدن أخرى.
- حاصل على دبلوم في التصميم الغرافيكي وتحرير الصور كندا 2000.
- حاصل على دبلوم في برمجة وتطوير وصيانة مواقع الإنترنت 2005.
- أحد مؤسسي (مجلة أفق الثقافية) على شبكة الإنترنت في سنة 2000، وهي مجلة أدبية ثقافية الكترونية تعتبر جسراً لعبور المسكوت عنه في التاريخ والواقع ويشغل منصب مدير تحريرها منذ ذلك الحين.
- أحد مؤسسي (جذور الثقافية)، وهي مؤسسة ثقافية مستقلة تعنى بالأدب والفكر المهجريين خاصة في الشمال الأمريكي (الولايات المتحدة وكندا).
- أسس دار مسعى للنشر والتوزيع في الكويت مع أصدقاء، ومتفرغ تقريبا لإدارتها منذ العام 2008.
- شارك في عدة مهرجانات عالمية في كولومبيا ورومانيا وألمانيا.
- صدر له:
* غربة أخرى، شعر، دار المدى، دمشق، 2005.
* دمي حجر على صمت بابك، شعر، جذور الثقافية، ديترويت، 2006.
* الوحيد في ظل نخلة، مترجم للرومانية من نصوص متفرقة، بوخارست، 2009.
* امرأة من أقصى المدينة، شعر، مسعى للنشر، الكويت، 2011.
* بين مدينتين صغيرتين، مختارات شعرية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2011.